كرم إيمانويل
سريالية ملونة و فرح حزين
بقلم : أ .د. راتب الغوثاني*
مفكر جمالي و أكاديمي
عندما !!!! ؟
عند مشاهدتي رسوم كرم إيمانويل تفاجأت تماماً , كما لو أني فتحت باباً كان مغلقاً بإحكام على أفق تطوير اللوحة بإتجاه العصر و المعاصرة ,بإتجاه استلهام فضاء هذا العصر و ألوان تلك المعاصرة.
فضاء الإعلان و لون الإعلان , الإعلان ....الإعلان و الإعلان.
نعم تشاهد ر سوم كرم إيمانويل فإذا أنت وسط أضواء و أشياء , سلع و كائنات , مساحات و ألوان و موسيقى, حزن , فرح , صخب , غربة , اغتراب و فقدان.
نعم ..نعم .. نعم تشتمل رسوم كرم على أفكار و على براعات تقنية لم تكن ممكنة التحقيق و الفهم في اللوحة قبل جيل واحد من الآن , أزاح الفنان من طريقه الأفكار التقليدية و ركّز على استخدام التقنية المتاحة لتعزيز إمكانية الإتصال . الإتصال بكل شيء و التواصل مع كل شيء.
إنك تحس عبر لوحات هذا الفنان (( المسكون بالقلق )) أنك محاط بهمسات الأشياء و الخطوط و الناس و الألوان بحيث تتقلب بك الأحاسيس و أنت لا تستطيع التأكد من سر دهشتك و لا يمكن سوى أن تتلذذ رؤيةً و تتلذذ إحساساً , عمقاً و حزناً يدمجك بالمكان و الزمان و بالغربة و الماضي.
بإختصار: يستحيل أن نقرأ لوحات كرم بدون لغة الشعر و الغموض الواضح و الإيهام المقروء .
!! ديجيتال
إن التقدم الحاصل في التقنية (( الفوتوغرافية )) حرَّر الفنان من قيود كثيرة , فملك القدرة على تحويل الأشياء و الأشكال الجامدة إلى أشكال متماوجة و رخوة . و الأشكال الرخوة إلى (أشكال متماسكة لها قوامها الحجمي و الفراغي ( القميص يأخذ شكل لابسه متماسكاً في المكان و في الزمان .
و هذا حذق من كرم ليوضح لنا قيمة و أهمية الحس الفوتوغرافي في بناء اللوحة المعاصرة , لوحة الصورة , لوحة الإعلان عن شيء أو عن فكرة .
و كذا هو حذق من كرم ليدلنا على إمكاناته المثيرة الكامنة في عملية تحويره للأشياء، مبتعداً عن الإنشغال بالبحث عما يتوجب عليه إتباعه من تقاليد الأولين، لأنه دائم البحث بطريقته عن مواقع جديدة للأشياء العادية لتتناسب و القدرة على التحكم عنده بالعملية الإبداعية .
ببساطة : إن كرم إيمانويل هو رجل فنان ذا موقف تجريبي من كل جوانب عملية الإتصال البصرية مع الناس بالتالي ... هذه الرسوم التي نحن أمامها لـكرم تعيد تركيب الأشياء و الأساليب و الألوان , إنها تعيد تركيب التهاويل الجدارية لفنون ما قبل التاريخ و فنون الحضارات و جداريات الأساتذة , نابضة بتهاويل العصر و سلعه و تسليعه و شكلانياته و تنوع العرض و الإغراق بالأشياء و الأدوات . لكن بعين هي " ديجيتال
سريالية و عواطف
في رسومه الواضحة و الصريحة و النابضة بالأشياء يتجلى شبح الذكريات , الرفيعة منها كالأحلام و الرمادية الغريبة , السريالية
والمأسوية .مأساوية غياب الإنسان و حضور الأشياء.في هذه الرسوم عالم من واقع , من فقر , من غنى , من مفارقات الضعف و القوة , من هموم و أحزان و آلام و آمال و صِراخ ملوَّنة و جارحة . صِراخ احتجاج و صِراخ استلاب و خوف .
الصِراخ في لوحات كرم ، صِراخ مدوّي لا يُسمع , بل يُحَسُ بالخط و اللون , صراخ محذّرمن ضياع , من تيه و من فقدان , لكنه و مع ذلك يبدو صُراخاً ملحناً , مغنى و مقفى بالألوان . إنه غناء يتحول إلى واقع مرئي بفنتزة حركية
و تكوينية شكلية و سريالية غنية يصعب علينا أحياناً تفسيرها .
نعم و بالرغم من أنتماء كرم إلى عصر إبداعيّ و إلى ما هو قائم , إلاّ أنه بقي أميناً لأسرار ماضيه و تراثه و روحه و ناسه و أحلامه . بحيث حرّر الماضي من سكونياته و من شكلانياته و تقليدياته، حتى بدا كل شيء عنده يتحرك بمرونة و يغري بالمغامرة .
إنه كرم
إنه كرم..،إنه كرم ايمانويل ينتقد الذات و يُنقذها من أزمة و من مأزق لينطلق بها من الضيق إلى السّعة و من شَرَك السكون و النمطية إلى حرية الفضاء , حرية القول بلغة جيل ( الديجيتال ) جيل الأستحواذ و التسوق و الفُرجة. والأهم من ذلك كله فإن كرم يأخذنا معه و مع رسومه إلى أعماق حزينة , و لعل ذلك هو السر في دهشتنا و متعتنا إزاء لوحاته , ألوانه , و روحه الملونة بالفرح الحزين .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*مفكر، ناقد جمالي وأكاديمي سوري.
استاذ علم الجمال و النقد الفني في جامعة دمشق و الجامعة التطبيقية في عمان.
خبير في تقييم الأعمال الفنية العالمية .
Dr.rateb2006@yahoo.com